جان لوئيس بوركهارت
204
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
يروس ، فاسم مارب لا يعرفه القوم هنا ، وهبطنا جرفا عاليا ثم سرنا زهاء الميل فوق رمال عميقة كست قاع النهر حتى جئنا بركة من الماء الآسن عرضها نحو عشرين خطوة وماؤها يصل إلى خلخال القدم ، وأمثال هذه البركة كثير في عرض النهر ولكن الماء فيها كلها راكد لا يجرى . وقدرت علو الشاطئين بثلاثين قدما ، أما ارتفاع الماء عن القاع فقد دل أثره على أنه لا يزيد على عشرين قدما ، وواضح من هذا أن النهر لا يمكن أن يفيض على جانبيه ويغمر الأرض المحيطة به ، وقد أيد لي هذا أصحابي فقالوا إنهم في أثناء فيضان النهر يعبرونه في قارب يجلب من الدامر لهذا الغرض ، وإنهم لم يروا هذه الأرض مغمورة من قبل بماء نهر سوى نهر النيل . وكان منظر ضفاف مقرن الخضراء تكسوها الأعشاب اليانعة وشجيرات الطرفاء الخضراء منظرا بهيا رائعا أجلت فيه الطرف ساعة كاملة ، وكنت في انتظار الركب الذي تعطل حين تعثرت بعض الإبل وهي تهبط جرف النهر القائم وسقطت عنها أحمالها . ونهر مقرن هو الحد بين إقليم راس الوادي والدامر . ورأينا السواقي على ضفافه الجنوبية ترفع الماء من البرك . ودلنا ترتيب الحقول هنا ونظامها ، ووجود المساقى الصغيرة ، على أن الزراعة تلقى من العناية قسطا لا تلقاه في الأقاليم التي جزناها من قبل . ويسكن العرب من بدو الجعليين ضفاف مقرن في مساحة تقطعها في يومين بعد التقائه بالنيل ، وهم مستقلون استقلالا تاما وعشائرهم منبثة في هذه الأرجاء حتى بلوغك سنار . وهم أقوى القبائل العربية هنا شوكة وأشدها بأسا ، ويزرعون الذرة على ضفاف النهر ويرعون الماشية الكثيرة . وبعد أن عبرنا مقرن سرنا فوق سهل رملى قاجل تكسوه أشجار العشر التي بلغ ارتفاع بعضها عشرين قدما ، ثم دخلنا الأرض الزراعية ثانية ، وهنا قابلنا شيوخا من الدامر أرسلتهم إلينا طلائعنا ليحرسونا من لصوص الجعليين الذين كان بعض فرسانهم يحومون حولنا لشر يبيتونه بلا ريب . ودخلنا الدامر في الأصيل بعد مسيرة ست ساعات ، والدامر بلد ذو صيت ذائع في هذه الأقطار ، وقد أثلج صدري أن أرى أهله أنبل من جيرانهم أهل بربر ، ومضيت مع جماعة